نجيب الدين السمرقندي
358
شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )
عن العفونة فانفعل عنها العضو الذي لم يكن ملاقيا لها وأحس ببردها بسبب سوء المزاج المختلف فيحدث النفض والبرد لذلك حتى إذا تعفنت بالتمام وسخنت وزال عنها البرد الفعلي ، سخنت البدن والتهبت الحمى ولا يبادر إلى السخونة بسرعة أي : يطول مدة لبث البرد في البدن ويمتدّ إلى أن يسخّن البدن ، وذلك لأن البلغم لغلظه ولزوجته وبرد مزاجه لا تسرع إليه العفونة حتى ينشر منها الحرارة النارية في البدن وتلتهب الحمى ، ولأن الحرارة في هذه الحمى تحتقن في الباطن وتكمن فيه بسبب كثافة الجلد وضيق المسامّ عن البرد الذي يحصل عن هرب الحارّ الغريزي ومن برد الخلّط أيضا كما مرّ حتى إذا تمت العفونة واشتدّت الحرارة ورقّ البلغم واتسعت المسامّات وتخلخل البدن وكثرت الأبخرة ، برزت الحرارة وظهرت السخونة في البدن . فإذا استولت الحرارة ، لم تكن قوية جدا ؛ لأن الحرارة إنما تكون قوية حادّة لذاعة إذا كانت متشبّثة بجسم حارّ يابس قليل المقدار وهاهنا قد تشبّثت بالبلغم وهو بارد رطب كثير المقدار في البدن ولا يكون معها عطش ولا عظم النبض لقلة الحاجة إلى الترويح ولضعف القوة وانضغاطها من كثرة مقدار البلغم وتقلّ معها الشهوة ؛ لأن فم المعدة في هذه الحمى يكون مؤوفا ضعيفا على الأكثر بسبب استيلاء البلغم وانصبابه إليه ، سيّما إذا كان تعفنه فيه فيعرض الامتناع من الطعام ويفسد مع ذلك الهضم ، ولهذا قال بعضهم : إن ضعف المعدة خاصة لازم لهذه الحمى كما أن علة الطحال لازمة للربع ووجع الرأس للغب ويترهّل البدن ويتهبّج الوجه لسوء الاستمراء وغلبة الرطوبة ، ولأن حرارة الحمى تذيب البلغم وترققه وتنشره فيمتلئ منه البدن وينتفخ ويترهل ويصفرّ لقلة الدم ويكون فيها قىء البلغم واختلافه ورطوبة الفم ويعرض للبلغميين والمرطوبين بأسنانهم كالصبيان والشيوخ ويكون النبض فيها صغيرا مختلفا لبرد البلغم وضغطه القوة بكثرته والبول يكون مرة رقيقا أبيض من قبل السدّة وامتناع الأجزاء الثخينة من الخروج مع البول فيتصفّى رقيقا مشفّا كالماء ومن قبل برد البلغم وعدم الاستمراء أيضا ، وقال « ابن أبى صادق » : « إن بياضه يكون بسبب بياض البلغم في لونه » ، وفيه بحث ؛ لأن بياضه لو كان بسبب اختلاط البلغم لكان قوامه غليظا ومرة أحمر ثخينا كدرا لمخالطة البلغم المحتبس العفن الغليظ الذي قد سخن